السيد محمد الصدر
302
منة المنان في الدفاع عن القرآن
ولكن في هذا الوجه بعض نقاط القوّة : الأُولى : أنَّه فهمٌ مباشرٌ من الآية ، أي : إنَّ جهنّم تعرف ما في الأفئدة ، حسب الظهور العرفي للقرآن . الثانية : ما ذكرناه سابقاً من : أنَّ عالم المجرّدات كلّه مدرِكٌ وعارفٌ بواقعه الذي يعيش فيه ، ومنها جهنّم ، فهي مطّلعة على الأفئدة وعلى غيرها ، أي : على كلّ ساكنيها . ولكن صاحب هذا الوجه لم يدرك ذلك بوضوح ، بل زعم أنَّ العلم يخلقه الله سبحانه في جهنّم خصوصاً . لكن فيه بعض المناقشات : منها : أنَّ جهنّم ليست اسماً لشيءٍ محدّدٍ ، بل هي مفهومٌ انتزاعي ، كما أنَّ الحال في ( الدنيا ) كذلك ؛ فإنَّها ليست اسماً لشيءٍ محدّدٍ ، بل لمجموع الحوادث والأعراض والعلل والمعلولات والإضافات التي توجد في هذا العالم المنظور . ومن هنا نلاحظ أنَّه لم يرد في القرآن الكريم لفظ الدنيا مفرداً ، بل يقول الحياة الدنيا ، إذن فجهنّم شيءٌ من هذا القبيل . ونستنتج من ذلك : أنَّها لا تكون مصداقاً وتطبيقاً للقاعدة التي قلناها من : أنَّ موجودات عالم الروح والمُثل مدركةٌ ؛ فإنَّ جواهرها الجزئيّة مدركة ، ولكن مفهومها الانتزاعي غير قابل للإدراك ، وحيث إنَّ جهنّم من المفاهيم الانتزاعيّة - على ما هو المفروض في هذا الوجه - فلا تكون صغرى لهذه الكبرى . ولكن هذا إذا غضضنا النظر عن القراءة الأُخرى : ( تطلُعُ ) ، وإلّا سقط هذا الوجه . لكنّنا حتّى لو سلّمنا بتلك القراءة وأنَّ جهنّم مفهومٌ انتزاعيٌّ ، ولكن مع ذلك نقول : إنَّها مدركةٌ ؛ لأنَّ حقيقة الأشياء هي بحقائق الملائكة الموكّلين بها ،